سميح دغيم
354
موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي
منه ، ثم يلزمه صونها من الآفات ونحو من يتطوّع بالنذر ثم يصير واجبا عليه . وأمّا ما كان من فعله على طريق الوجوب المخيّر إن شاء بعث هذا وإن شاء بعث ذلك . وكذلك فلو علم أنّ اللذّة تقوم مقام الألم في الصلاح لكان في حكم المخيّر فيهما وإن كان إذا ألم فهو أدخل في النفع من حيث يستحقّ به عوض آخر . وما يتعيّن في فعله هو كإعادة من يستحقّ الثواب أو العوض ، فإنّ غير تلك الأجزاء لا تقوم مقامها أصلا ، بل تجب إعادتها بأعيانها . وأمّا ما هو في حكم المباح فهو العقاب فإنّه لا صفة له زائدة على حسنه وإنّما يراعي هذا عند الوقوع ، وهو في وقوعه لا يختصّ بأمر زائد على الحسن . وما يقال من أنّه تعالى إذا لم يفعله استحقّ الشكر فليس برجوع إلى صفة الفعل بل هو رجوع إلى حال الفاعل إذا لم يفعل . فكونه مباحا أو قبيحا أو واجبا يعتبر عند الوجود ، وقد بيّنا أنّه في وجوده لا يختصّ بأمر زائد على الحسن والحال في إرادة العقاب أظهر ، فإنّ هذا الإشكال زائل عنها ، فهذا هو حكم أفعاله جلّ وعزّ . والذي يدخل تحت التعبّد من هذه الأحكام ليس إلّا الواجب والندب فعلا والقبيح تركا ، فأمّا المباح وسائر ما عدّدناه فخارج عن التكليف ( ق ، ت 1 ، 232 ، 4 ) - قد ذكرنا في أوّل الكتاب ما يصلح أن يكون حدّا للتكليف . لكن ما قاله ( عبد الجبّار ) هاهنا هو أن يجعل التكليف الإعلام والإرادة . ثمّ فصّل حال الإعلام ، فبيّن أنّ الغرض به أن يعلم تعالى المكلّف حال الأفعال التي قد تدخل تحت التكليف من وجوب ما يجب منه وقبح ما يقبح منه وغير ذلك . وبيّن أنّ الإعلام ليس بمقصور على وجه واحد . فقد يصحّ أن يثبت الإعلام بالتعريف الضروريّ ويصحّ نصب دلالة عقليّة كانت أو سمعية ، لأنّ كل ذلك يعدّ من أقسام الإعلام . وبيّن أنّ العبد إذا علم وجوب هذه الأفعال عليه فقد صار مكلّفا إذا انضمّ إلى ذلك الشرائط التي نذكرها من بعد . وبيّن أنّه إنّما ضمّت الإرادة إلى الإعلام لمّا كان التكليف لا يثبت على الحقيقة إلّا من جهة اللّه تعالى ، ولا يصحّ أن يفعله إلّا على وجه يحسن ، ولا يحسن إلّا مع الإرادة فيريد منه فعل ما قرّر في العقل وجوبه . بل لا يكفي في الحسن ذلك إلّا بعد أن يكون كارها منه فعل ما قرّر في العقل قبحه . وإن كان العلم الحاصل بوجوب ما يجب على المكلّف قد يصحّ حصوله من جهته بأن يكون مكتسبا له ، وإن كان الدليل قد نصبه اللّه . والإرادة بكل حال يجب أن تكون من فعله تعالى . فصار ذلك بمنزلة القدرة التي لا تصلح أن تكون إلّا من جهته فتفارق الآلة التي قد يقدر العبد على تحصيلها بنفسه . فإذا كان تعالى لو أعلم وجوب هذا الفعل على المكلّف ولم يرده منه لم يحسن ، ولو أراده ولا إعلام لم يحسن ، فيجب أن يجتمع الأمران ليتكامل حسن التكليف . وإن كان لمجرّد الإعلام يثبت العبد مكلّفا ، إذ لا فائدة تحت قولنا إنّه مكلّف إلّا أنّه يجب عليه فعل ويقبح منه فعل آخر ، سواء قدّر أنّ مريدا أراد ذلك منه أو لم يقدّر ذلك . وعلى هذا يعلم المرء وجوب النظر عليه في أوّله تكليفه . وإن لم يعلم أنّ اللّه تعالى قد أراد ذلك منه ( ق ، ت 2 ، 189 ، 8 ) - إن قيل : إن كان التكليف موقوفا على الإعلام الذي فسّرتموه فقد علم أنّ أحدنا لا يقدر على أن يعلم غيره في الحقيقة لا بأن يفعل فيه علما